الشركات

الفجوة في تبنّي الذكاء الاصطناعي لدى الشركات الفرنسية: ما هي المخاوف البنيوية التي يكشفها تقرير البنك المركزي؟

البنك المركزي الفرنسي، من خلال تقرير بحثي، يتساءل عن فجوة تبنّي الذكاء الاصطناعي لدى الشركات الفرنسية، وما يعكسه ذلك من خلفيات لا تقتصر على الفجوة التكنولوجية فحسب، بل تمتد إلى قضايا أعمق تتعلق بالإنتاجية والتوظيف وإعادة تشكيل القدرة التنافسية الأوروبية.

أصدر البنك المركزي الفرنسي مؤخرًا مقالًا بحثيًا بعنوان حاد: *An AI Adoption Gap Among French Firms?* (هل توجد فجوة في تبنّي الذكاء الاصطناعي بين الشركات الفرنسية؟). بالنسبة إلى مؤسسة تتمثل مهامها الأساسية في السياسة النقدية والاستقرار المالي، فإن الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي لدى الشركات يمثل خروجًا واضحًا عن المألوف. لكن هذا “تجاوز الحدود” بالذات ينقل إشارة مهمة: الذكاء الاصطناعي أصبح متغيرًا اقتصاديًا كليًا يؤثر في الإنتاجية والتوظيف وديناميكيات التضخم، وقد بدأ صناع القرار في البنك المركزي الفرنسي يدرجونه في إطار المتابعة.

لماذا فرنسا؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ خلف ذلك تكمن بعض المشكلات الجوهرية في البنية الاقتصادية الفرنسية.

فجوة تبنّي الذكاء الاصطناعي ليست مشكلة جديدة، لكنها بُعد تفسيري جديد

تقليديًا، من أبرز سمات الاقتصاد الفرنسي “البنية الثنائية”: في طرف منها شركات متعددة الجنسيات ضخمة بمستوى عالمي، وفي الطرف الآخر عدد كبير من الشركات الصغيرة والمتوسطة. وعلى مستوى التكنولوجيا الرقمية، تتجلى هذه البنية عادةً في أن الشركات الكبيرة تمتلك قدرات معلوماتية أكثر نضجًا، بينما تظل الشركات الصغيرة والمتوسطة متخلفة لفترات طويلة. ويؤدي تطبيق الذكاء الاصطناعي إلى تضخيم هذا التمايز القائم.

إذا كانت “فجوة التبني” التي أشار إليها تقرير البنك المركزي الفرنسي قائمة بالفعل، فليس من الصعب فهم منطقها العميق: إذ يتطلب نشر الذكاء الاصطناعي بيانات وقدرة حاسوبية ومواهب وإعادة هندسة للعمليات، وهذه كلها أمور لها عتبات دخول. فالمجموعات الكبرى تمتلك ميزة مطلقة في رأس المال والقدرات التنظيمية، في حين أن الشركات الصغيرة والمتوسطة العادية قد لا تكون قد أتمت حتى الاتصال بمصادر البيانات عالية الجودة. وهكذا، عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي في الدخول إلى دالة الإنتاج، فإن أكثر نتائجه مباشرة ليس “تقدمًا شاملًا”، بل “إقلاعًا مجزأً” — إذ يتقدم القادة بسرعة أكبر، بينما يبقى المتخلفون في أماكنهم.

لماذا يدرس البنك المركزي الفرنسي الذكاء الاصطناعي؟

في الاقتصاد الكلي، تُعد الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج جوهر تفسير النمو طويل الأجل. وفي السنوات الأخيرة، واجهت الاقتصادات المتقدمة، بما فيها فرنسا، مأزق تباطؤ نمو الإنتاجية. ويُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تكنولوجيا عامة نادرة قادرة على إحداث قفزة جديدة في الإنتاجية. وإذا كانت فرص رفع الإنتاجية محتكرة من جانب عدد قليل من الشركات، فقد لا يكون النمو الإجمالي بالمتانة المتوقعة، بل سيزداد الاختلال الهيكلي بين الشركات.

وتنعكس هذه الاختلالات مباشرةً في السياسة النقدية والاستقرار المالي. فعلى البنك المركزي أن يقيّم أثر دورة استثمارات الذكاء الاصطناعي في التضخم والتوظيف؛ عندما تقلل الشركات الكبيرة ذات الحصص السوقية الكبيرة من حاجتها إلى العمالة بفضل الذكاء الاصطناعي، قد تتركز خسائر الوظائف في المناطق المزدحمة بالشركات الصغيرة والمتوسطة، مما يولّد احتكاكًا هيكليًا. وفي الوقت نفسه، يرفع الذكاء الاصطناعي العائد على رأس المال، لكنه يوسّع الفجوة في دخول عوامل الإنتاج، مما يثير خطر نقص الطلب.

لذلك، يمكن فهم طرح البنك المركزي الفرنسي لهذا السؤال على النحو التالي: هل يستطيع الاقتصاد الفرنسي أن يتحمل ثورة ذكاء اصطناعي “منقسمة”؟ وإذا لم يستطع، فلا بد من أن تتدخل السياسات على المستوى الوطني في مرحلة مبكرة.

مفترق طرق القدرة التنافسية للاقتصاد الفرنسيمن منظور القدرة التنافسية للشركات، فإن الخطر الحقيقي الناجم عن فجوة تبني الذكاء الاصطناعي يتمثل في أن «الخندق» الذي يحمي قطاعات التفوق التقليدية في فرنسا قد يضعف. تلجأ قطاعات السلع الفاخرة والمنتجات الاستهلاكية الراقية إلى الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك المستهلكين وتحسين المخزون والتسعير، ويعتمد قطاعا المالية والتأمين على الإدارة الذكية للمخاطر وأتمتة خدمة العملاء، بينما تستخدم مجموعات الطيران والفضاء والطاقة الذكاء الاصطناعي لتعزيز البحث والتطوير والتشغيل والصيانة. لكن إذا بقيت هذه التطبيقات حصرية داخل الشركات العملاقة، فإن قدرة فرنسا على «نشر الابتكار» ستكون ضعيفة نسبياً.

وبخلاف الشركات الناشئة الأمريكية القادرة على الحصول بسرعة على تمويل واسع النطاق، والشركات الصناعية الألمانية التي تدمج الذكاء الاصطناعي في الآلات والعمليات الإنتاجية، يعتمد نظام الابتكار الفرنسي بشكل أكبر على الإنفاق الحكومي على البحث العلمي والمشتريات العامة، إلى جانب تركّز شديد للشركات الكبرى. وقد أنتج هذا النموذج عدة اختراقات تكنولوجية، لكنه يواجه غالباً عقبات في مرحلة الاختبارات التجريبية — إذ تفتقر تقنيات جديدة كثيرة إلى سيناريوهات كافية لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة للتحقق من جدواها التجارية. وإذا سار الذكاء الاصطناعي على المسار نفسه، فإن الخطر على فرنسا يتمثل في أن تهيمن الولايات المتحدة على النماذج الأساسية والتطبيقات الجوهرية، وتستأثر ألمانيا بالذكاء الاصطناعي الصناعي، بينما لا يتبقى لفرنسا سوى عدد من الأبطال الوطنيين البارزين (National Champions).

على مستوى التوظيف، تعيد فجوة تبني الذكاء الاصطناعي أيضاً تشكيل بنية سوق العمل. تواصل رواتب مهندسي البيانات من ذوي المهارات العالية الارتفاع، بينما يتركّز ضغط استبدال الوظائف الروتينية في قطاع الخدمات كثيف العمالة. وبالنسبة إلى فرنسا، تمثل الخدمات أكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني أن فجوة التبني قد تنعكس على التوزيع الاجتماعي بشكل أسرع من غيرها من البلدان الصناعية.

من فرنسا إلى أوروبا: هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل التقسيم الإقليمي للعمل؟

داخل الاتحاد الأوروبي، ظلت فرنسا وألمانيا تشكلان القطبين الكبيرين لفترة طويلة، ويتعين عليهما الآن أيضاً مواجهة المنافسة من بريطانيا بعد انفرادها في مجال الذكاء الاصطناعي. وإذا اتسعت فجوة تبني الذكاء الاصطناعي بين الشركات الفرنسية، فمن المرجح جداً أن تتحول فجوة الإنتاجية داخل فرنسا إلى فجوة تنافسية في السوق الأوروبية.

على صعيد السياسات، قدّمت الحكومة الفرنسية دعماً مالياً لنشر التكنولوجيا من خلال خطة الاستثمار «فرنسا 2030» والاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي. لكن «الفجوة» التي تشير إليها دراسة صادرة عن البنك المركزي تذكّر صناع القرار بأن مجرد تمويل الأبحاث المخبرية على جانب العرض من الذكاء الاصطناعي لا يكفي؛ فمعدل تبنّي الشركات على جانب الطلب هو العائق الحقيقي. وربما تكون الحلول منخفضة الترميز الموجهة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، والبنية التحتية لتبادل البيانات، والتدريب على مهارات الذكاء الاصطناعي، أكثر عملية وجدوى من السعي الحثيث وراء النماذج الأكثر تقدماً.

في الوقت نفسه، تفرض البيئة التنظيمية الأوروبية (مثل قانون الذكاء الاصطناعي) متطلبات إضافية على الشركات الفرنسية في مجال الامتثال. فالشركات الكبرى قادرة على إنشاء فرق امتثال، بينما قد تتلكأ الشركات الصغيرة والمتوسطة بسبب التعقيد التنظيمي. وهذا يعني أن التصميم التنظيمي إذا افتقر إلى المرونة تجاه الشركات الصغيرة والمتوسطة، فسيزيد من تفاقم فجوة التبني القائمة أصلاً.

خمس إشارات ينبغي مراقبتها خلال السنوات 3-10 القادمة

في المرحلة المتوسطة والطويلة المدى المقبلة، تستحق ديناميكيات فجوة تبني الذكاء الاصطناعي في فرنسا متابعة مستمرة من الأبعاد التالية:1. نقطة انعطاف معدل تبنّي المؤسسات الصغيرة والمتوسطة: هل ستظهر خدمات ذكاء اصطناعي معيارية موجهة للشركات غير التقنية تساعدها على تجاوز حاجز الدخول؟ 2. تسلسل الانتشار بين القطاعات: كيف تؤثر سرعة التطبيق في قطاعات مثل المالية والتجزئة والصحة والصناعة على بعضها البعض؟ 3. هيكل التوظيف في المؤسسات: هل يمكن تحقيق التوازن بين الوظائف التي يلغيها الذكاء الاصطناعي والوظائف الجديدة التي يخلقها؟ وهل سيثير ذلك نقاشًا اجتماعيًا؟ 4. فتح البيانات العامة ومشاركتها: هل يمكن لإطار حوكمة البيانات في فرنسا والاتحاد الأوروبي أن يسهّل على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الوصول إلى بيانات عالية الجودة؟ 5. النظام البيئي لشركات الذكاء الاصطناعي الفرنسية: هل سيؤدي صعود نجوم محليين في الذكاء الاصطناعي مثل "Mistral" إلى موجة جديدة من انتشار التبني، أم سيبقى مقتصرًا على مستوى النماذج؟

هذا السؤال الذي طرحه البنك المركزي الفرنسي لا يحتاج في النهاية إلى إجابة بـ"نعم" أو "لا"، بل إلى إدراك واضح للمنطق الاقتصادي. قد تكون فجوة تبني الذكاء الاصطناعي مجرد انعكاس للتحدي الهيكلي الذي يواجه الاقتصاد الفرنسي: ما إذا كان بإمكان الناجحين قيادة التابعين سيحدد مكانة فرنسا في الخريطة الاقتصادية الأوروبية خلال العقد المقبل.

---

المصدر المرجعي: Banque de France - An AI Adoption Gap Among French Firms?

إطار التحقق · franceeconomicdaily

تضع franceeconomicdaily هذه الملاحظة ضمن الاقتصاد / الشركات / الرفاهية والتجزئة؛ الاقتصاد / الشركات / الرفاهية والتجزئة يوضح الزاوية التحريرية المحلية. ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق: ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.

Source URLs

  1. https://www.banque-france.fr/en/publications-and-statistics/publications/ai-adoption-gap-among-french-firmsPrimary source

مقالات ذات صلة

العودة إلى القناة