الاقتصاد
خفض معدل النمو الاقتصادي الفرنسي إلى 0.7%: التباين البنيوي خلف الصدمة النفطية
توقّع INSEE نمو الاقتصاد الفرنسي بنسبة 0.7% في عام 2026، حيث تؤدي الصدمة النفطية إلى إضعاف الاستهلاك، لكن قطاعات الكيماويات وبناء السفن والصناعات الجوية العسكرية تحقق صعودًا على عكس الاتجاه العام، مما يكشف أن الاقتصاد الفرنسي يسير نحو مسار مزدوج داخليًا.
في 17 يونيو، نشر المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) أحدث توقعاته الاقتصادية: من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا بنسبة 0.7% في عام 2026، مقارنة بـ0.9% في عام 2025. وإذا اعتُبرت الصدمة النفطية الناجمة عن الحرب الإيرانية عاملاً مستقلاً، فإن تأثيرها السلبي على معدل النمو السنوي يبلغ نحو 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية. هذه الأرقام ليست مفاجئة؛ فما يستحق التدقيق حقاً هو مسار انتقال الصدمة: كيف تعمل تقلبات أسعار الطاقة الخارجية على تضخيم التوترات الهيكلية المزمنة داخل الاقتصاد الفرنسي.
مسار انتقال الصدمة النفطية: لماذا تكون الأسر أول المتضررين؟
تُظهر توقعات INSEE أن الاقتصاد الفرنسي يمر بصدمة نموذجية مدفوعة بالتكاليف. فارتفاع أسعار الطاقة يرفع تكاليف الإنتاج لدى الشركات، والفروق في قدرة الشركات على تمرير الزيادة إلى الأسعار النهائية هي التي تحدد مصير القطاعات المختلفة. غير أن المشكلة أن قطاع الأسر معرّض هذه المرة للصدمة بالكامل تقريباً.
ويعود السبب في ذلك إلى آلية تشكيل الأجور في سوق العمل الفرنسي. إذ يشير INSEE إلى أن ضعف سوق العمل يحد من قدرة الأسر على رفع الأجور عبر التفاوض. فعندما يظل معدل البطالة مرتفعاً وتكون المنافسة على الوظائف شديدة، لا يملك العمال أي هامش يُذكر للمساومة في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة الذي تدفعه الطاقة. وهكذا تنكمش القوة الشرائية الحقيقية، ويُجبر المستهلكون على خفض إنفاقهم، بل واللجوء إلى مدخراتهم للحفاظ على مستويات استهلاكهم السابقة.
وعلى صعيد البيانات، يظهر المسار الفصلي للنمو الاقتصادي نمطاً واضحاً من الارتفاع أولاً ثم الانخفاض لاحقاً: فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي بنسبة 0.1% في الربع الأول، ومن المتوقع أن يرتد إلى 0.3% في الربع الثاني (بعد رفعه بمقدار 0.1 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة)، غير أنه في الربعين الثالث والرابع سيعود النمو إلى 0.1% لكل ربع. ويعود الانتعاش في المرحلة الأولى إلى تعافي الصادرات، في حين أن التباطؤ في المرحلة اللاحقة هو النتيجة التدريجية لتسرّب أسعار الطاقة إلى التكاليف الإجمالية. ومن المتوقع أن يرتفع معدل التضخم المنسق في الاتحاد الأوروبي من 2.4% في يونيو إلى 3.0% في ديسمبر، وهو ما يعني أن تآكل القوة الشرائية للأسر سيتفاقم في النصف الثاني من العام.
ومن الجدير بالملاحظة أن هذا الضعف لا تحدده «الصدمة الخارجية» وحدها، بل يعكس اعتماد الاقتصاد الفرنسي الشديد على استهلاك الأسر. فقد ظلت حصة الاستهلاك من الناتج المحلي الإجمالي قريبة من 55% لفترة طويلة، وعندما يتأخر تعديل الأجور الحقيقية عن أسعار الطاقة، يصبح الطلب المحلي حتماً القناة الأساسية لامتصاص الصدمة. وهذا هو أيضاً الفارق البارز بين فرنسا وبعض اقتصادات شمال أوروبا، التي تجعل الشركات تتحمل حصة أكبر من التكاليف عبر آليات تنسيق أجور أكثر مرونة.
استفادة غير متوقعة للصناعة: تباين «بسرعتين» من الكيماويات إلى الطيران
وتُظهر الصدمة النفطية نفسها وجهاً مختلفاً تماماً في القطاع الصناعي الفرنسي. وتذكر INSEE على وجه الخصوص أن شركات الكيماويات ومصافي التكرير تنتزع حصصاً سوقية من منافسيها في الشرق الأوسط؛ فبسبب انقطاع التجارة الخليجية جراء الحرب، تمكنت الشركات الفرنسية المعنية من سد فجوة العرض. إنها إعادة توزيع «جيوسياسية» نموذجية: لم تكتسب فرنسا فجأة أفضلية تكنولوجية، بل إن خريطة المنافسة العالمية تغيرت بفعل الصراع.في الوقت نفسه، تشهد قطاعات بناء السفن والطيران والفضاء (سواء المدنية أو العسكرية) طلبات مكتظة، ومن المتوقع أن ينمو حجم الشحنات بنسبة 10% في عام 2026، مما يوفر دعمًا متينًا للصادرات. وتستفيد هذه الصناعات من ارتفاع الإنفاق الدفاعي العالمي واتجاه تنويع سلاسل التوريد، حيث تمتلك فرنسا قدرات هندسية وتصنيعية متراكمة على المدى الطويل.
وهكذا، يظهر الاقتصاد الفرنسي صورة واضحة من "السرعة المزدوجة": ففي أحد الطرفين، قطاع الخدمات المحلي القائم على الاستهلاك العائلي والحساس لأسعار الطاقة؛ وفي الطرف الآخر، الصناعات ذات القدرة التنافسية الدولية، ممثلة في الطيران والصناعات العسكرية والكيماويات، والتي تكتسب زخمًا إضافيًا من الصراعات الجيوسياسية. هذا الانقسام ليس حالة طبيعية، وقد ينكمش مجددًا بعد تحقيق توازن عالمي جديد، لكنه يكشف عن اتجاه — في عصر انحسار العولمة، يتحول المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي الفرنسي من نمط "الاستهلاك والاستيراد" إلى نمط "الاستثمار والتصدير"، وإن كان هذا التحول لا يزال بعيدًا عن الاكتمال.
رقعة الشطرنج الأوروبية: ضعف قصير المدى وموقع طويل الأمد
فرنسا هي ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، ولا شك أن تباطؤ نموها سيلقي بظلاله على سردية النمو الأوروبية. ويشهد الاقتصاد الأوروبي حاليًا تحولًا في الطاقة وتعديلًا في السياسات الصناعية، وإذا استمرت فرنسا في النمو المنخفض، فسيثقل ذلك من معضلة الموازنة التي يواجهها البنك المركزي الأوروبي بين التضخم والركود.
ومع ذلك، من منظور متوسط وطويل الأجل، قد يكون الهيكل الصناعي الفرنسي أكثر مرونة مما يُعتقد. ففي مجالات الصناعات العسكرية والطيران والفضاء والكيماويات كثيفة الاستهلاك للطاقة، ما زالت الشركات الفرنسية تمتلك خنادق دفاعية تكنولوجية. كما أن الحصة المرتفعة للطاقة النووية في مزيج الكهرباء توفر للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة كهرباء منخفضة التكلفة نسبيًا ومستقرة، إلى جانب ميزة انخفاض الكربون — وهو ما يمثل ميزة موقعية نادرة في أوروبا، حيث تتدرج آلية تعديل حدود الكربون في التطبيق وتصبح تقلبات أسعار الطاقة أمرًا معتادًا.
لكن هذا لا يعني أن فرنسا يمكنها الاستفادة تلقائيًا. إذ تتطلب القدرة التنافسية في الحلقة الصناعية دعمًا طويل الأجل من الاستثمار الرأسمالي الثابت والبحث والتطوير. فقط عندما تتحول ميزة تكلفة الطاقة إلى طاقة إنتاجية جديدة، يمكن لفرنسا أن تثبت موقعها في إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية. وإلا، فإن المكاسب التصديرية قصيرة المدى قد لا تكون سوى "رواج حرب"، ولن تتمكن من عكس المشكلة الأساسية المتمثلة في النمو المنخفض للطلب المحلي.
من ثلاث إلى عشر سنوات قادمة: اختبار بنيوي
في السنوات الثلاث إلى العشر القادمة، المتغير الأكثر أهمية في الاقتصاد الفرنسي هو كيفية التعامل مع اختلال التوازن بين "الطلب المحلي والطلب الخارجي". ستتلاشى صدمة أسعار النفط تدريجيًا، لكن ما كشفته من جمود في سوق العمل، وضعف في الاستهلاك، واعتماد على واردات الطاقة، سيستمر في التأثير على معدل النمو المحتمل لفرنسا.
إذا أصبحت الصراعات الجيوسياسية حالة دائمة، فستتسارع تجزئة سلاسل التوريد العالمية، وقد تواصل فرنسا الحصول على طلبيات استراتيجية في مجالي الدفاع والتصنيع المتقدم، مما يساعد في الحفاظ على قدرتها التنافسية التصديرية. لكن إذا لم تتمكن في الوقت نفسه من دفع إصلاحات سوق العمل جنبًا إلى جنب، وتعزيز قدرة الأجور على امتصاص التضخم، فإن قطاع الأسر سيتحمل تكاليف التعديل على المدى الطويل، وسترتفع معها التوترات الاجتماعية والضغوط المالية.
متغير آخر يستحق الاهتمام هو تحول الطاقة. توفر الطاقة النووية لفرنسا كهرباء حمل أساسي منخفضة الكربون نادرة في أوروبا، وإذا نضجت مسارات تكنولوجية مثل الهيدروجين والمفاعلات النمطية الصغيرة في المستقبل، فقد تتقدم فرنسا في إعادة التصنيع الخضراء. المفتاح يكمن في ما إذا كانت السياسات ستوفر حوافز طويلة الأجل مستقرة، بدلًا من الاعتماد على مكاسب قصيرة الأجل من أسعار الصرف أو الصادرات.لا توجد أي صدمة طاقة معزولة. إنها مثل مرآة تعكس كل الشقوق في أنماط النمو، وآليات التوزيع، والقدرة التنافسية الصناعية للاقتصاد. توقعات INSEE البالغة 0.7% قد تكون مجرد نقطة بداية لإعادة هيكلة الاقتصاد الفرنسي خلال العقد المقبل.
إطار التحقق · franceeconomicdaily
تضع franceeconomicdaily هذه الملاحظة ضمن الاقتصاد / الشركات / الرفاهية والتجزئة؛ الاقتصاد / الشركات / الرفاهية والتجزئة يوضح الزاوية التحريرية المحلية. ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق: ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.